أخيراً أيها الإخوة! لابد من المواجهة، فإننا حين نتكلم عن هؤلاء القوم لا نريد أن نعطيهم أكبر من حجمهم، فإننا نعلم بمقتضى شريعة الله عز وجل بأن الإسلام أقوى منهم، وأن الإسلام راسخ في هذه البلاد رسوخ الجبال الراسيات، وكم من موجة تحطمت على صخرة الإسلام وارتدت! موجات كاسحة، عسكرية وفكرية، وفتن كبرى، حتى فتنة الدجال -وهي أعظم فتنة- إنما تتحطم حين تصل إلى هذه الجزيرة، فهذه جزيرة الإسلام، والإسلام قَدَر هذه الجزيرة، لكن مع ذلك فإن هذا يتحقق من خلال جهودنا نحن في مواجهة العلمانيين في هذه البلاد ومحاربتهم بكل وسيلة. وأقتصر في نهاية هذه المحاضرة على أسلوبين من أهم أساليب المواجهة:
ضرورة العمل الجاد
الأمر الثاني: هو ضرورة العمل الجاد، فإن سنة الله عز وجل أنه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، والله لا يضيع أجر المحسنين، كما أن الله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين، فهؤلاء مفسدون، عملهم في ضياع وفي بوار، أما المؤمنون الصادقون الصالحون فليعلموا أن عملهم في الدنيا والآخرة محفوظ: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]. إخوتي الكرام! إن هذا التاريخ الذي سمعناه عن تركيا وعن غيرها من البلاد الإسلامية التي سقطت في أيدي العلمانيين يعيد نفسه. ومن وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً إلى عمرهِ فينبغي أن نتعظ بغيرنا، وأن ندرك جيداً الخطط التي يبرمها علمانيو هذه البلاد للهيمنة على المجتمع، وجره إلى التعاسة والشقاء، ومحاولة مسخ دين هذا البلد وعقائده وأخلاقه، بل وحتى عاداته الاجتماعية، وجعله قطعة من بلاد الغرب التي فيها درسوا، والتي من ألبانها رضعوا. أسأل الله عز وجل أن يكفي المسلمين شرهم، وأسأله -جل وعلا- أن يفضحهم وأن يكشف عوارهم للمسلمين عامة حتى يحذروهم، ويدركوا خطرهم، كما إني أسأل الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل في قلوب المؤمنين الحماس والرغبة الصادقة في العمل الجاد لما يرضيه، وفي الجهاد الصادق في سبيله، وفي قول كلمة الحق، وفي الدعوة إلى الله تعالى، وفي جمع الكلمة، وفي بذل النصيحة، وفي محاولة رد كيد الكائدين، سواء كانوا من العدو الداخلي المستتر، أم من العدو الخارجي المعلن، وأسأله تعالى أن يكلل العاملين بالنجاح، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص؛ إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.
ضرورة الكشف عن العلمانيين
الأول:ضرورة الكشف، فإن الله كشف المنافقين، وأنـزل سوراً عديدة منها التوبة، حتى كانت تسمى "المقشقشة" ما تركت أحداً إلا ذكرته منهم، حتى بينتهم وفضحتهم، وكانت تسمى "الفاضحة" أيضاً، فنريد من أهل الإسلام -علماء الإسلام وطلبة العلم والدعاة- أن يترسموا ويستلهموا منهج هذه السورة في فضح العلمانيين، نريد أحداً يقول لنا في هذا الزمان: ومنهم ومنهم، فيذكر لنا علاماتهم التي يعرفون بها، خاصة وأنهم يتكلمون بكلام حسن جميل، شأنهم في ذلك شأن إخوانهم الأولين، كما حكى الله عنهم: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] لفصاحتهم وبلاغتهم، ويقول الله عز وجل: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]. إذاً لا بد من فضحهم وكشفهم، وبيان عوراتهم، خاصة وأن كثيراً من العامة ينخدعون بهم، وهذه مصيبة، أن تسير الأمة خلف ركابهم مخدوعة، لأنهم يستخدمون ألفاظاً إسلامية، وقد يستشهد أحدهم بآية أو حديث، أو كتاب لأهل العلم، وقد ينقل قاعدة فقهية، وقد يتكلم، وقد يصلي أحياناً، وهذا الفضح لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون من خلال التشويش والتهويش والغضب والانفعال والصراخ أبداًَ، يجب أن يكون من خلال الوثائق والحقائق والمعلومات الدامغة التي تجعل حتى عدوك لا يملك إلا أن يوافقك على ما تقول.
الأسئــلة
علاقة العلمانيين بالحداثيين
السؤال: ما علاقة العلمانيين في البلد بالحداثيين، والحداثيين بالأحداث القائمة بـالخليج؟ الجواب: علاقتهم أنهم يصطادون في الماء العكر، ويستغلون كل فرصة للانقضاض والاستفادة من انشغال الأمة بالأحداث الكبرى، كما فعلوا حين وجدوا الأمة مشغولة بأحداثها الكبرى، ففاجئوا الأمة بهذا الحدث الذي أنسى ما قبله، وجعل أعصاب الناس كلها مشدودة تجاه هذا الحدث الجديد.
كشف رءووس العلمانية
السؤال: الرجاء أن تذكر أسماء رءوس العلمانية في هذا البلد، وفي بعض البلاد الأخرى؟ الجواب: في الواقع أن ذكر رءوس العلمانية وأسمائها واجب شرعي، وكما أن علماء هذه الأمة في الماضي كشفوا أهل البدعة وتكلموا عنهم ولا كرامة، وفضحوهم بفسقهم، واعتدائهم على كلمة الله عز وجل بتعريتهم وحماية الأمة من شرهم وفسادهم، وكما أن علماء الأمة في الماضي تكلموا عن رجال الحديث جرحاً وتعديلا، فقالوا: فلان ضعيف، وفلان سيئ الحفظ، وفلان كذاب، وفلان متهم، وفلان يسرق، وفلان وفلان، كذلك واجب على علماء هذا الزمان فضح وتعرية رءوس العلمانية، ولكن من خلال الوثائق كما ذكرت لكم، وبناءً عليه فلو ذكرت لكم رموز العلمانية الآن، لما كنت موافقاً للمنهج الذي قلته، أن يكون الفضح من خلال الكلام والحقائق والوثائق، لا من خلال حكم أطلقه دون أن أقدم لكم دليلاً عليه.
مراحل ظهور العلمانية
السؤال: متى ظهرت العلمانية هنا، وما مراحل ظهورها، ومن هم أشهر قادتها؟ الجواب: لقد سبقت الإجابة على بعض هذه الأسئلة، أما متى ظهرت؟ يعتبرون أن حركة مسيرتهم التي أعلنوها بداية لظهور العلمانية، والتغريب والتخريب، وتحرير المرأة بصورة واضحة مكشوفة، على أنهم كانوا قبل ذلك يعملون في السراديب المظلمة، كالخفافيش التي لا تعمل إلا في الظلام.
زيارتي للولايات المتحدة الأمريكية
يقول: كنت في زيارة في شهر ثلاثة لعام 1411هـ للولايات المتحدة الأمريكية في مهمة لحضور مؤتمر إسلامي، وقد أقيمت محاضرة لقسٍ كبير في إحدى القاعات، وكان يتكلم عن أزمة الخليج، وفي أثناء حديثه قال كلاماً نصه: إنه ليس الخوف من قبل أي قوة أخرى، إنما الخوف من نجد والجزيرة، وقد سأله الحاضرون، ما هي نجد والجزيرة؟ فقال لهم: إنها تقع في قلب الجزيرة، وهي منبع الأصولية، إذاً فالخطر من الأصولية، وهذا يؤيد ما ذكرت، فالأصولية التي يذكرونها هي هذه الديار حفظها الله من كيدهم ومكرهم.
دور التغيير يقع على الجميع
السؤال: طرق العلمانيين كثيرة، وهم يشنونها بواسطة حملة شرسة قوية على الإسلام والمسلمين، فأين دور الهيئات العلمية في إيقافهم عند حدهم في هذا البلد الطيب، واستغلال الأجهزة نفسها؟ الجواب: لي رجاء للأخ الذي كتب السؤال، والإخوة جميعاً، أن ننهي كلمة: أين دور، أين دور هذه اجعلوها مؤقتاً على الرف، أين دور فلان؟! أين دور كبار العلماء؟! أين دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! أين دور المسئولين؟! هذه ينبغي ألا نقولها، ينبغي أن ننصح من نستطيع نصيحته، وهذا مطلوب، الشيء الثاني: أن نقوم بما نستطيع أن نقدمه، عندك شيء تستطيع أن تقدمه للإسلام أسرع به، فالنار تشتعل في بلاد الإسلام، غير هذا ليس هناك داعٍ؛ فعلى رغم أن العدو يدق الأبواب ما زلنا في مرحلة التلاوم، المسئولية على فلان، أين دور فلان؟ أين دور علان؟! بالأمس جاءني أحد الشباب مغضباً، والشرر يتطاير من عينيه! فقال أين دوركم؟ ماذا تصنعون؟ من لم يتحمس في الوقت فمتى يتحمس؟! وأصبح يرتجل عليَّ خطبة عصماء قوية، فلما انتهى قلت: بارك الله فيك، نحن نريد أن نعمل شيئاً لكن نريد أن تشارك معنا، نريد أن تقوم معنا بعمل، هل لديك استعداد؟ فبدأ ينسحب شيئاً فشيئاً، قال: والله إذا كان على الكتاب والسنة، وهل نحن سنأمرك بما في التوراة والإنجيل؟! نحن لا نأمرك إلا بما في الكتاب والسنة، وإن وجدت ما يخالف فاعترض. فكثير من الناس يجيدون تحديد مسئوليات الآخرين، وتوزيع الصلاحيات، ويخرجون هم أبرياء، وكثيراً ما أذكر لبعض الإخوة، وربما سمعتموها مني في بعض المحاضرات، كلمة أو مثلاً يُضْحَكُ به، ويتندر على أمثالنا، أننا نقول: المشاكل التي نعيشها من صنع الجيل السابق، وسيحلها الجيل اللاحق، إذاً نحن خرجنا خارج الدائرة، ولا يرضى امرؤ عاقل -وهبه الله عز وجل نعمة الإسلام- لا يرضى لنفسه هذا الدور، أن يكون صفراً على الشمال، يجب أن يقوم كل امرئ منا بدوره ولو كان صغيراً. في ختام هذه الجلسة الطيبة المباركة أكرر وأجدد شكري القلبي العميق لمشايخي وإخواني المشايخ، من رجالات هذا البلد، وفضلائه وعلمائه، ولإخواني المشايخ الذين قدموا من بلاد أخرى، وأسأل الله أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أفضل طريقة لمعرفة العلمانيين
السؤال: ما أفضل طريقة لمعرفة العلمانيين وإن كان هناك كتب؟ الجواب: هناك كتب للتعريف بـالعلمانية لعل من أفضلها وأوسعها، خاصة من الناحية التاريخية وعرض كيف نشأت العلمانية في أوروبا، كتاب الدكتور الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي حفظه الله العلمانية وأثرها في الحياة الإسلامية المعاصرة وكذلك هناك كتاب مفيد جداً لـإسماعيل الكيلاني، اسمه فصل الدين عن الدولة وهناك تهافت العلمانية لـعماد الدين خليل، إلى غير ذلك من الكتب، أما أفضل طريقة لمعرفة العلمانيين فهم كما حكى الله عز وجل عن المنافقين وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30].. اجمع تراثهم وكتاباتهم ومقالاتهم الصحفية ودواوين شعرهم وتعليقاتهم ومشاركاتهم، واقرأها جميعاً، تستخرج منها معالم واضحة يدورون حولها.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب دفع العذاب
السؤال يقول: ما هي نظرتكم إلى الأحداث مع العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضئيل في هذه المنطقة وفي غيرها فما نصيحتكم؟ الجواب: في الواقع أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يجب أن نتذكر أنه من أهم الأسباب التي يدفع الله تعالى العذاب عن الأمم، كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها حديث زينب في الصحيحين: {لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث} متى يكثر الخبث؟ إذا تُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب أن يكون هذا هماً عند كل امرئ منكم، بدءاً بالعلماء وطلبة العلم وغيرهم، فإنهم قادة الناس في هذا الأمر، وقد حملهم الله عز وجل من المسئولية ما ليس على غيرهم، ومروراً بالشباب المتدين وسائر الأمة، تأمر نفسك وتأمر غيرك، وتأمر مَنْ في بيتك، وتأمر جيرانك، وتأمر زملاءك في العمل، وتأمر سائر الناس، ولو قمنا بهذا الدور لتغيرت أشياء كثيرة كما ذكرت في الجواب قبل قليل.
أشد الناس عداوةً للذين آمنوا
السؤال: بماذا توحي هذه الآية لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82] ولا سيما أن بعضهم قد يفهمها خلاف ما هدفت إليه؟ الجواب: الآية ذكر الله عز وجل فيها أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، وأن أقرب الناس مودةً للذين آمنوا هم الذين قالوا: إنا نصارى، وعلل الله عز وجل ذلك بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [المائدة:82-84] إلى آخر الآيات، المهم إذا جاءنا شخص وكان نصرانياً قال: آمنت بالله، وبرسل الله، وبما جاء من الحق، ودمعت عيناه من قراءة القرآن، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهو أخونا وإن كان بالأمس نصرانياً، لكن اليوم أصبح مسلماً، له مالنا وعليه ما علينا، هذه واحدة، وإلا فإن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] فاليهود والنصارى وإن كانوا أعداءً في مرحلة من مراحل التاريخ إلا أنهم حلفاء حين يكون العدو هو الإسلام، وما الحلف الذي نشهده اليوم بين إسرائيل والدول الغربية، وبين إسرائيل والدول الشرقية، بإمدادها بالأموال وبالصناعات وبالخبرات وبالرجال وبالمعلومات، إلا دليل صارخ على أن هذا الحلف لا ينفك أبداً، حتى والمسلمون في أضعف فترات تاريخهم، حلف كبير وعميق وراسخ، وثقوا بأن أوروبا لا تثق بالعرب وإن جاملتهم، وأمريكا وإن جاملتهم وسايرتهم، إلا أن حليفها التاريخي الذي تطمئن إليه هو إسرائيل، وتعتبر أنها هي الورقة الرابحة دائماً وأبداً بيدها في المنطقة، ومن خلالها تحاول أن تنفذ ما تريد من مخططاتها.
دعوة إلى إنشاء مجلات إسلامية
السؤال: إلى متى توجد المجلات الفاسدة؟ وهذا سؤال مشابه، يقول: قلت: لا مكان للعلمانية، ونسأل الله ذلك، لكن الملاحظ أن البلاد تعج بكثير من المغريات على شكل مجلات هابطة خليعة، وكتب مملوءة بالأفكار العلمانية الصريحة، وغيرها كثير، وهذه الأشياء متوفرة في كل مكان، ويقرؤها كثير من الشباب غير الواعي، مما يكون له أثر سلبي، لماذا لا تصدر مجلات إسلامية من عندنا لترد على أي مخرب، وليعي الشباب المسلم ما يدور حوله؟ الجواب: إن الدعوة لإصدار مجلات إسلامية أو جرائد إسلامية أصبح مطلباً ملحاً، واجهني في عدد من البلاد التي زرتها، خاصة بعد الأحداث الأخيرة، أحداث الخليج، ثم بعد الأحداث الداخلية، أما وجود هذه المجلات الخليعة، فلا شك أن المسئولية عندنا على شقين: الشق الأول على ولاة الأمر، ولا شك أن دخول مثل هذه المجلات لا يجوز، لما فيه من تعريض المؤمنين للخطر والفتنة سواء الفتنة، في أديانهم بما فيها من الشبهات، أو الفتنة في أخلاقهم بما فيها من الشهوات، التي تدعو إلى الرذيلة، ولا شك أن مجرد النظر إلى تلك الصور فيه من الفتنة ما فيه، وكثير منها تتاجر بصورة المرأة، لا تملك أكثر من هذا، وكلما كانت المرأة، التي في الغلاف أجمل كانت المبيعات أكثر، هذا كل ما عندهم، أفلسوا من كل شيء، وأصبحوا يدغدغون عواطف الشباب ومشاعرهم، برسم صور الجميلات على أغلفة المجلات. أما المسئولية الثانية وهي تعنينا الآن، لأنه ليس هناك داعٍ أن نقول: لماذا توجد؟ ثم نقف متفرجين! هو أن نكون نحن إيجابيين في التغيير، وأعلم أيها الإخوة عدداً من البلاد أغلقت محلات الغناء فيها أبوابها عن آخرها، أكثر من بلد، لماذا؟ لأن أهل البلد تضافروا وتعاونوا على إزالة هذه المحلات بالنصيحة، فأثرت النصيحة في جماعة من هؤلاء، وتركوا المحلات، بعضهم أراد أن يبيعها فاشتروا منه وأغلقوه، أو حولوه إلى محل لبيع المواد الطيبة المفيدة، وبذلك أصبح لا يوجد فيها محل للغناء، أماكن أخرى لا تجد فيها مجلات سيئة، حتى أصحاب المحلات مثلاً، صار أهل البلد نتيجة التوعية والدعوة، صاروا يشترون بضائعهم من عند صاحب البقالة الذي لا يبيع الدخان، لا يبيع المجلة السيئة، ولا يبيع الشريط السيئ المنحل، ولا يبيع مجلات الأزياء، حتى إن أحدهم يأتي إلى البقالة مثلاً فيشتري بضاعة بأربعمائة ريال، فإذا اشتراها رفع رأسه فقال: هاه سبحان الله! تبيع الدخان! لا نأخذ شيئاً، خذ بضاعتك، أبقها عندك، لا يشتري، يذهب ويتركها، فيصاب هذا بصدمة. مرة من المرات قال أحدهم: نحن لا نحب أن نبيعها، لكن لأجل الزبائن، لكن قلت له: أنا لست من الزبائن؟ تجاملهم ولا تجاملني؟ أنا أترك بضاعتك، إذاً نستطيع إذا كان كل واحداً منا إيجابياً، فقط نريد منكم شيئاً واحداً هو أن نكون إيجابيين جميعاً، لا نلقي بالمسئولية على أحد، ثم نمشي ونقول انتهينا: لا، نريد من كل واحد أن يكون إيجابياً بقدر ما يستطيع.
حكم الدعوة إلى الوطنية
السؤال يقول: انتشرت الدندنة بالموت من أجل الوطن، فما حكم من يدعو بهذه الشعارات؟ الجواب: على كل حال مسألة الدعوة إلى الوطنية أصبحت معروفة على أنها نعرة قومية جاهلية، باعتبار أن الذين تبنوا الدعوة الوطنية -كما ذكرت لكم بعض أقوالهم- أنهم ليسوا من أولياء الإسلام وأهله وحزبه، لكن إذا جردنا هذا الموضوع، ونظرنا إلى قضية الدفاع عن الأرض التي يقيم بها المسلمون: ما حكمها؟ فحينئذٍ لا شك أن الدفاع عن هذه الأرض ضد المعتدي مشروع، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد} لكن عليك أن تدرك أن القتال حينئذٍ ليس فقط من أجل التراب لأنه الوطن الذي نشأت فيه، وأقلتني أرضه وأظلتني سماؤه. الشمس أجمل في بلادي حتى السماء هناك أجمل إنما من أجل أن تظل البلاد بلاد الإسلام، من أجل حماية القائمين والعاكفين والركع السجود، من أجل حماية أعراض المؤمنات، من أجل إقامة حكم الله عز وجل في جميع شئون الحياة، من أجل تطبيق شريعة الله تعالى، وليس من أجل ترابها كما يقولون!
دور الشباب المستقيم تجاه الأحداث
السؤال: ما دور الشباب المستقيم في مثل هذه الظروف، ماذا تعني الأحداث الأخيرة التي حصلت ومن وراءها؟ وهل كان للشباب ردة فعل؟ الجواب: في الواقع أن المسلمين كلهم من الشباب والشيب والرجال والنساء، كان لهم ردة فعل، لا أبالغ إذا قلت: إنني لا أعلم أنني رأيت في قلوب الناس وفي نفوسهم وعلى سحناتهم من الغضب والتأثر ما رأيته في تلك الحادثة، وأحلف بالله الذي لا إله غيره، إنني لا أذكر أنني رأيت في الناس الإجماع على رفض أمره، والامتعاض منه والتذمر والإنكار بكل وسائل الإنكار مثلما رأيت في تلك الأيام، أمر غريب في الواقع! وهو ترمومتر كشف لنا فعلاً عن أصالة هذه الأمة، وأنها وفية للإسلام أبداً: بلاد أعزتها جيوش محمد فما عذرها ألا تعز محمدا هذه بلاد محمد صلى الله عليه وسلم، هذه وفية لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيها دينه، فيها القبلة، فيها المسجد الحرام، فيها مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيها درج أتباعه، فيها قام بنيانه، وهي للإسلام إلى قيام الساعة، أما من وراءها، فلا شك أن وراءها كثيرين، منهم نحن، فإننا بتفريطنا في مقاومة المنكرات التي سرت في مجتمعنا، وفي كشف رموز الفساد في مجتمعنا، وفي القيام بواجب الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ساهمنا في صناعة هذا الحدث، لم يكن ما حدث ليحدث لو كنا يقظين واعين، لو كان كل امرئ منا يعلم أنه على ثغرة من ثغور الإسلام؛ فيجب أن يظل منتبهاً لا ينام يحرس هذه الثغرة لئلا نؤتى من قبلها. ما الذي يدري الإنسان؟ ربما تحدث أحداث في المستقبل، قد يكون أقرب قريب لك مشاركاً فيها، لماذا؟ لأنك لم تقم بدورك، قد يكون الواحد منا في بيته لغزاً، مهمته أن يأكل ويشرب وينام، أما ما سوى ذلك فخارج البيت، إما في العمل، أو الوظيفة، أو المزرعة، أو المتجر، أو ما أشبه ذلك، لا يراه أطفاله إلا على وجبة الغداء أو العشاء، إذا لم يكن معزوماً على الغداء أو العشاء، فنحن ساهمنا بذلك. العلمانيون في البلاد لا شك أنهم وراء الموضوع، الأعداء في الخارج دائماً وأبداً يتحالفون مع من يوافقهم في الداخل، ولذلك أجهزة الإعلام الغربي طبلت كثيراً وراء هذا الحدث، وتكلمت عنه وضخمته، وجعلت من الأربعين تسعين، واعتبرت هؤلاء النسوة نموذجاً للمرأة السعودية المثقفة نموذجاً للجيل الجديد، وتناست وتجاهلت هذه الحشود الهائلة الرافضة، وهي والله بعشرات الألوف الرسائل والبرقيات -كما بلغنا- للاستنكار من هذا العمل، تجاهلوا كل هذا، وأبرزوا ثمانين، امرأة، ثم قالوا: المرأة السعودية الجديدة المثقفة أصبحت تتمرد على القيود!
كيفية التعامل مع المناهج العلمانية
السؤال يقول: ما هو الحل لتلك المناهج العلمانية، التي تدرس، ويتخرج منها الأجيال، سواء من البنين أو البنات؟ الجواب: أقول: الحل هو واجب الجميع، وليس واجب جهة واحدة فقط، فإن من السهل أن نجعل المسئولية على جهات مختصة، وندع ما سوى ذلك، لكن أليس أولادي وأولادك وبناتي وبناتك هم الذين يدرسون في هذه المدارس؟! فلماذا لا نسهر على تصحيح هذه المناهج؟! لماذا لا نسهر على تنقيتها؟! والواقع يقول: إن التنقية ما زالت ممكنة، الآن ما زالت التنقية ممكنة، وقد جربت وجرب غيري أن تدوين بعض الملاحظات على بعض المناهج الدراسية، أو حتى على أسس المناهج وإيصالها إلى الجهات المختصة، كوازرة المعارف مثلاً، أو رئاسة تعليم البنات، إنها تثمر بكل حال، فهذه مسئوليتنا جميعاً، كما أن على الإنسان ألا يعمد إلى أولاده، فيسلمهم لغيره ليربيهم، بل عليه أن يشارك هو في تربيتهم حتى لو فرض أن المناهج قاصرة، أو فيها أشياء يريد أن يمسحها من أذهان بنيه وبناته، فإن عليه أن يقوم بدوره هو في ذلك، في التربية، وفي تكميل المهمة.
أقنعة العلمانيين
السؤال: هل من الممكن اعتبار أحداث مصر الأخيرة من الصراع بين الإسلام والعلمانية؟ هل من الممكن أن تذكر بعض رموز العلمانية في بعض البلدان الإسلامية، التي تقوم بدور في هتك أستار الإسلام والمسلمين؟ ما هي الأقنعة التي ترتديها العلمانية متمثلة في رموزها لكي تخدر الأمة بأسلوب الصحافة أو غيرها؟ الجواب: ترتدي كل قناع دون حياء كما ذكرت لكم، حتى الإسلام يمكنه أن تتاجر به في فترة من الفترات، وهم غالباً يظهرون على أنهم رموز وطنية، مخلصة، مع الوطن في أزماته وشدائده، وهم الذين أثبتت الأحداث ولاءهم، هذا الذي يحاولون أن يلقوه في قلوب الناس.
لابد من ضبط النفس
السؤال: لماذا يطلب من الملتزمين وحدهم ضبط النفس في ظل الأحداث الأخيرة، بعكس ما يحدث مع غيرهم كالحداثيين والعلمانيين ومن سار على نهجهم؟ الجواب: نحن نطالب المؤمنين ونطالب الشباب المتدين دائماً بأن ينطلق من منطلقات إدراك المصلحة، وذلك أن الإنسان قد يتصرف بأحد سببين، وأود من أحبتي الشباب أن يدركوا ذلك جيداً؛ أحياناً قد يتصرف الإنسان من منطلق أني أريد أن أُنَفِّسَ عن نفسي، أنا أجد في نفسي شيئاً أريد أن أنفس عنه، فهنا عليه أن يدرك جيداً ما هو الدافع، ليس الدافع دافعاً شرعياً مصلحياً، إنما هو دافع غضب شخصي ذاتي، هذا لا كلام لنا فيه، ولا أعتقد أن مسلماً يرضى لنفسه أن يكون هذا منطلقه. الأمر الآخر: أنك تجد الشاب يقول: أنا دافعي الغضب لله ورسوله، والغيرة على الحرمات، والحرص على مصلحة الإسلام، حينئذٍ نقول له: الحرص على مصلحة الإسلام يتطلب منك أن تدرس أي أمر قبل أن تقدم عليه، لأن نفسك قد تدعوك إلى أمر العاطفة القوية، أو الغضب لله ورسوله، أو الاستفزاز من قبل الأعداء، فتتصرف تصرفاً هو في الحقيقة ليس في المصلحة، وأود أن أقول: إن العلمانيين من خططهم -كما أشرت أثناء المحاضرة- في ضمن سياق تاريخهم، أقصد به التطبيق على الواقع- أن العلمانيين من ضمن وسائلهم في كثير من الأحيان، يحاولون أن يقوموا بحركات استفزاز، حركات استفزاز لمشاعر الأمة، لمشاعر المتدينين، لمشاعر العلماء، لأنهم يتمنون أن يحصل الخطأ، حتى يرقصوا على هذا الأمر، ويجعلوا من الحبة قبة، ويبنوا هناك جبالاً من المخاوف، مبنية على أمر واحد، أو تصرف واحد، والغريب أنني لا أعلم في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، أن هناك ثورة قامت في بلد باسم الإسلام، لكن كم من الانقلابات كشفت شيوعية، أو علمانية، أو لا دينية، أياً كان لونها! ومع ذلك تجد الخوف الشديد عند كثير من هؤلاء من الإسلام، ولعل من أهم الأسباب هؤلاء العلمانيون الذين يحاولون أن يدقوا طبول الخطر من الإسلام باستمرار.
علمانية أم جاهلية
السؤال يقول: لا أدري لماذا يطلق على العلمانية هذا الاسم، ولا يطلق عليها جاهلية، حيث إن العلمانية مشتقة من العلم، وقد يكون محبباً إلى النفوس؟ الجواب: إن كانت العلمانية مشتقة من العلم كما ذهب إليه بعض الباحثين فنعم، هذا من باب تسمية الشيء باسم ضده، أو باسم لماع جذاب مؤثر في نفوس الآخرين، وأما إن كان مشتقاً من أمر آخر كما ذهبت إليه بعض الدراسات الدقيقة، فالأمر يختلف.
طرق العلمانيين في نشر الأفكار
السؤال: ما هي طرق العلمانيين في الدخول إلى أفكار الشباب؟ وما هي طرق الحصانة منها؟ الجواب: من أهم وسائل العلمانيين أنهم يحاولون الهيمنة على وسائل التأثير، التي تدخل إلى كل بيت، بل إلى كل عقل، كالجريدة والصحيفة والمذياع والتلفزة والكتاب، فضلاً عن المؤتمرات، فضلاً عن الندوات وغيرها، ومن خلال ذلك يحاولون أن يؤثروا في عقول الشباب، كما أنهم يستغلون الأدب والشعر، لمحاولة إيصال هذه الأفكار التعيسة إلى عقول عاشقي الأدب والشعر.
الأصولية والولاء للعراق
السؤال يقول: كاتب جمع بين متناقضين هما الأصولية والولاء للعراق، فما تعليقكم على ذلك؟ الجواب: في الواقع أن لفظ الأصولية ينبغي أن يعلم الجميع أنه مصطلح نصراني، ولم نعلم هذا المصطلح إلا في دوائر المخابرات الغربية، التي أطلقت هذا المصطلح على المسلمين، وتعني بالأصولية ما نسميه نحن في هذه البلاد بـالسلفية، فالأصولية أصلاً تعني أن فئة من النصارى أنفسهم، وهم يسمون بالحرفيين، حسب ما ذكرت بعض الدراسات أنهم الذين يفهمون الكتاب المقدس عند النصارى فهماً حرفياً، ولا يقبلون أي تأويل فيه، فأطلقوا هذا الاسم على المسلمين الذين يعتبرون أنهم سلفيون، مثلاً الحركة الوهابية التي قادها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هذه تسمى أصولية عندهم، لأنها حركة جهاد وليست حركة سياسية، أي: ليست بحركة سياسية تؤمن بالوسائل الدبلوماسية والمداهنة والمجاملة على حساب الدين، لا. بل هي حركة صريحة واضحة متميزة، من أهم أصولها الولاء والبراء وتمحيص ذلك، قضية تحقيق العبادة، قضية البراءة من الطاغوت.. إلى غير ذلك من المعاني والأسس التي قامت عليها. فنقلها بعض بني قومنا إلى صحفهم، وبدءوا يتداولونها ويطلقون لفظ الأصولية، واستغل بعضهم الخطأ الذي وقعت فيه بعض الطوائف الإسلامية، في ضجيج المشاكل القائمة، حين أيدت العراق في مواقفه، وحاولوا أن يستغلوا ذلك بإلصاق شتى التهم بكل من ينتسب إلى الدعوة الإسلامية، وأطلقوا عليه لفظ الأصولية، مع أن المقصود بلفظ الأصولية في دوائر الإعلام الغربي بالدرجة الأولى هذه البلاد، فهم قد يقولون: الأصولية في مصر تتمثل في جماعات أو فئات، وكذلك في أفغانستان، لكن في السعودية كما يقولون: يعتبرون أن الأمة أمة أصولية.
الخلاف مع العلمانية خلافٌ جوهري
إخوتي الكرام: الخلاف بين الإسلام وبين العلمانية خلاف جوهري، لأنه خلاف بين التوحيد والشرك كما ذكرت لكم، ولذلك فإن الكلمة التي رددها المشركون والنصارى وغيرهم حين كانوا يقولون: (ما لـقيصر لقيصر، وما لله لله) هي التي فعلها المشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم حين كانوا يقولون كما أخبر الله تعالى عنهم: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136] وقال: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً [الزخرف:15] وقال: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل:62]. إن هذه الجاهلية المعاصرة هي نفسها الجاهلية الأولى، فهي تنادي أن يكون المسجد لله، والمحراب لله، وما عدا ذلك يكون لـقيصر، تنادي أن تكون المدرسة لـقيصر، وأن يكون المنبر الإعلامي لـقيصر، وأن يكون المصرف لـقيصر، وأن يكون السوق لقيصر، وأن تكون الراية، وكل شيء لغير الله عز وجل، فهي تنادي بحصر الإسلام في زاوية، أو مسجد، أو معبد، أما ما سوى ذلك، فهي تطالب أن يحكم ويدار بغير شريعة الله عز وجل وهذا هو الشرك بعينه. إذاً: فالتناقض بين هذا المعنى وبين المعنى الحقيقي للإسلام، لكلمة التوحيد التي نرددها صباح مساء، هو تناقض صارخ وصريح. كيف يمكن أن نوفق بين هذا المعنى الجاهلي الصريح، وبين قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] كيف نوفق بين هذا وهذا؟! كيف نوفق بينها وبين كلمة لا إله إلا الله، التي تعني أن العبادة بجميع صورها وأشكالها وأنواعها لا تصرف إلا لله عز وجل، وأن كل عبادة تصرف لغيره هي عبادة باطلة، مردودة على صاحبها!! وهي شرك بالله عز وجل.
لا للعلمانية في بلاد الإسلام
أيها الإخوة: لا مكان للعلمانية في بلاد الإسلام، ولا مكان للعلمانية في هذه البلاد خاصة، وذلك لسببين: أولهما: أن الإسلام دين شرعه الله عز وجل، وأنـزله مهيمناً على الحياة كلها، مهيمناً على الأديان السابقة، ومهيمناً على جميع شئون الحياة، فإن المسلم العادي البسيط المغفل يدرك أن الإسلام فيه تفصيل لكل شيء، وبيان لكل شيء، وأنه يستحيل في حس المسلم أن الدين الذي نظم العلاقة بين الرجل وزوجته، والذي نظم للإنسان كيف ينام، ونظم للإنسان كيف يكون في حال قضاء الحاجة، لا يمكن أن يترك إدارة الأمور الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، وغيرها لغير الله عز وجل مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] وَنـزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] فهذه القضية غير قابلة للمناقشة، أن الدين الخاتم هو الدين المهيمن على الأديان كلها وعلى الحياة كلها، ومن ثم ففي بلاد الإسلام وبين المسلمين لا مكان للعلمانية.
لم يعرف الإسلام تعاسة أوروبا
وثمة أمر آخر ناتج عن الأمر الأول وتبع له، وهو أن التاريخ الإسلامي كله لم يعرف تلك التعاسة التي عاشتها أوروبا، لقد عاشت أوروبا بسبب دينها المحرف المبدل، انفصاماً رهيباً بين العلم والدين، فكان الدين يحارب العلم، حتى إن كثيراً من علماء أوروبا قد أحرقوا بالأفران، وسملت أعينهم، وعلقوا على أعواد المشانق، بحجة أنهم خالفوا كلمة الله، وكذلك لم يعرف التاريخ الإسلامي مثل هذا، فإن الإسلام فتح للعلم أبوابه وذراعيه، حتى وجدنا العلماء يترددون على بلاط الخلفاء، ويحضرون مجالسهم، ويحظون بهباتهم وأعطياتهم. لم يجد المسلمون في تاريخهم الطويل اضطهاداً للعلم ولا تضييقاً عليه بأي حال من الأحوال، لم يعرف المسلمون محاكم التفتيش التي عاشتها أوروبا، ولم يعرف المسلمون طغيان الكنيسة التي كانت تأخذ الأموال الهائلة الطائلة من الناس باسم الدين، ولم يعرفوا استبدادها وطغيانها المادي ولا السياسي ولا غيره، فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ التلاحم بين الدين الذي كان أول ما نـزل منه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وبين العلم الذي هو ثمرة من ثمرات التمسك بهذا الدين، واستجابة لأمر الله عز وجل بالعلم والتعلم والقراءة، لذلك فإن الذين يريدون نقل العلمانية إلى بلاد المسلمين يتجاهلون هذا الفرق الكبير بين تاريخ الإسلام ودين الإسلام وبين تاريخ أوروبا ودين أوروبا.
رابط معركة الإسلام والعلمانية - الجزء الأول اضغط هنا
رابط معركة الإسلام والعلمانية - الجزء الثاني اضغط هنا
رابط معركة الإسلام والعلمانية - الجزء الثالث اضغط هنا